الابتلاء على هيئة إنسان

أكثر شخص آذاك على مدار السنوات، أو تسبب لك بظلم شديد وقهر، أو حتى قد يكون سببًا لك خيبةً وخذلانًا، لما أعطيته أنت من أمان وإحسان، وقابلك هو بسوء ظن ونكران. هذا الإنسان يأتي على هيئة ابتلاء، ولا يقتصر أثره على أنه وقع ثم سيذهب طيَّ النسيان، أو أن العمر سيجري، وستجري معه صفحات الأحداث، وسيضيع بين الزحام.
تأثيره أعمق على حياتك، بل قد يصل إلى أحفادك، ولا نشير هنا إلى أن الحقد ستورثه على مدار الأجيال، لا.
إنما كيف ستعامل الناس ومن سيلتقون بك بعد نهاية قصته؟ هل ستهرب عندما ترى أشباه ذلك الإنسان؟ أم ستلبس عباءة الاختفاء ممن يمضي بقربك في طريق حياتك، حتى لا يقترب منك ذلك الابتلاء الذي جاء على هيئة إنسان؟
الحقيقة – والله أعلم – أن بينك وبين الوعي درجةً واحدةً في سلم حياتك، ولا تكلفك الكثير من الذكاء ولا حتى الدهاء، وإنما يقين شديد وإيمان بأن الله ما كان ليرسل لك ذلك الإنسان حتى تُقهر بين الوجدان، ولم تكن أوسع الحلول أن تختفي من دوائر الحياة، ولا تجعل لك صوتًا بين الناس ولا إحساسًا.
بعض الناس كلما أصابهم خذلان أو ظلم شديد تجدهم يبتعدون وينعزلون، وبعضهم – هداهم الله – يكرهون كل الناس، وتجد ذلك بين صدى ألسنتهم ولحن كلماتهم.
لكن النضج والوعي الذي يرسله الله لك بين الحين والآخر، في أوقات متباعدة من عمرك، يعلمك الكثير، ويكشف لك الحقائق.
المعنى: كلما كانت في استطاعتك مقابلة أشباه هذا الإنسان والتعامل معهم في المستقبل دون رفض منك ولا خوف، فاعلم أن هذا الشخص أصغر وأقصر من أن يجعل كتاب حياتك دون أحداث ولا أوراق.
لا تحزن، ولا يصيبك كمد ولا غضب. تفكر بهم، وابتسم عندما ترى أشباههم، فستجدهم يعيدون الصياغة بنفس الكلمات. وكلما آمنت، وزاد يقينك بربك أن الله يرسل الشدائد لتقويتك، وليفتح أبوابًا كثيرةً في عقلك كانت بالأصل دون مفاتيح، وشاء الله أن يكون أحد المفاتيح إنسانًا قد عرفته ثم تجبر بين العباد، سيريك في الباب الذي فتحه داخل عقلك أنه كان واضحًا جدًا في رغباته من البداية، وانتقاصه لمن حوله، وغروره وتكبره، حتى وصل إلى رغبة دفينة منه أن يقسم الأرزاق بين العباد. وسيريك أن الإنسان اللئيم لا يحمل دائمًا المشاعر نفسها لكل الناس؛ فتجده يعامل بعضهم بطيبة وحنان، وعلى النقيض من ذلك يعامل الآخرين بغلظة وقسوة وجفاء.
لذلك، هذا الابتلاء لا بد أن تحفظ نفسك من تأثيره، الذي قد يمتد إلى سنوات كثيرة من عمرك. سيحرمك لذة اللقاء بين الأحباب، والشوق إلى الأصحاب، واجتماع الشمل، وتفقد الجار. سيجعلك منعزلًا، وحيدًا، والكثير من مشاعر الخذلان تجوب عقلك دون حراس.
لذلك أعد صياغة القصة، وكن منفتحًا على الناس، وتذكر أن ما أصابك ليس ليقول لك: توقف، لا أمان مع الناس.
بل لأجل أن يخرجك وقد تعلمت كيف تُدار الأمور، وكيف تُحل النزاعات، وكيف تفكر النفوس الهشة والضعيفة، وكيف يبدأ الخصام، وكيف يبدأ الصلاح.
نعم، لقد واجهتها كلها، وتعلمت منها، فهي دروس أخذتها بثمن من عمرك، وبعدها تكمل الطريق ومعك خرائط للوصول بفضل من الله ورحمته.
توكل على الله عند البدء في طريقك مع الناس، وأحسن النية دائمًا، وليكن المقصد من ذلك حسن العشرة والكلمة الطيبة، ولا يُقصد بذلك البلادة والسذاجة مع كل الناس، وإنما أن تكون منفتحًا مع الناس، ولديك الكثير داخل عقلك من الإرشادات. وإن رأيت العلامات الحمراء في العلاقات تلوح في الآفاق، فكن ذكيًا لبيبًا، وتراجع بخطواتك، فإن اللئيم لا تُكشف له الأوراق، ولا تُسلَّم له أوراق العتب عند الخصام.
ابتعد، ثم التفت قليلًا، واضحك كثيرًا، فإن أسوأ الناس يملكون الصفات نفسها، فالآن أصبحت واعيًا بهم، ومدركًا لهم. ولا يهمك كيدهم أو مكرهم، فإن الله يتكفل بهم، والله يوفي الأجور في الميعاد.
الوعي والإدراك مهمان في طريق حياتك وسعيك، في زواجك أو عملك أو حتى مع أهلك وأصحابك.
الوعي لا يجعلك تهرب من الناس، وإنما يقربك إلى أشباهك وما تحبه عيناك.
لذلك اسأل نفسك: أبعد الخذلان هربت من كل الناس؟ أم كنت تعلم أن هذا الابتلاء في سلم حياتك، وستمضي كما مضت أقوام سبقونا، وأقوام سيلحقون بنا؟
في كتابي: أقدار الله تثبيت لا تشتيت، كتبت فصلًا بعنوان قواعد التعامل مع من حولك أثناء الابتلاء، وقسمتهم إلى أربعة أقسام من الناس، وأسأل الله أن تجد في تلك الكلمات أثرًا طيبًا ينفعك ويكسبك حلية القبول بين الناس.



